نجم
05-10-2010, 08:10 PM
http://i561.photobucket.com/albums/ss54/medaly99992/3-62.jpg
//
ولد في "النجف الأشرف" وتربى في "هجر" فكان متألقًا
الشاعر الأستاذ عبدالله البريه أبو ياسر... شاعر الإنسانية داخل الظّـل
ليس الأمر صدفة أن يولد شاعرٌ هجري في النجف الأشرف - على ساكنه السلام – فيرتوي من دجلة والفرات ، ويتغذى من حليب " نهج البلاغة " ليكون " أصلب عودًا، وأقوى وقوداً، و أبطأ خموداً..."؛ فيجمع شاعرية طرفة ابن العبد وابن المقرب العيوني، إلى شاعرية عمّنا المتنبي الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل النّاس ، حتى آخر حرف من أبيات الجواهري ، وهذا ما اتصف به شاعرنا الأستاذ عبدالله بن أحمد البريه في كتاباته – وإن كانت لظروف الحياة جاءت متقـطعة أو دفعة دفعة - ولكنها امتازت بالخيال والصور الساحرة المشبعة بالجمال أحيانًا، والبلاغة والإيجاز في أحايين أخرى ، بعيدًا عن التقعيرة والدهاليز المظـلـمة .
ومن الطبيعي أن تنسجم النفس مع ترانيم الحياة وأهازيج الطبيعة, وهذا في تفـصيله ومجمله جميل , ولكنْ عندما تذوب أحاسيس الشاعر ومشاعر الفنان فيما ينحو , كأنْ يصبح ممزوجًا بالطبيعة مندمجًا ومجتمعه , تتقاذفه الهموم العامة والخاصةُ في دائرة ما وراء الواقع نحو حقيقة أسمى، عندها سنقف أمام قامةٍ شعرية فارهة مهذِبةٍ ومهذَبةٍ .. نعم نحن بصدد أستاذ الأدب والشعر في قريتنا الحبيبة, الأستاذ الشاعر أبوياسر عبدالله البريه حفظه الله تعالى .
وجد مساره كالنهر سلاسةً وحنكة , وكالبحر سعة وحبكة, لنراه بين ظفتَيْ ذلك النهر وشاطئَيْ ذلك البحر, جسر ثقافةٍ وتهذيب, وزورق محبة وتقريب, والقارئ لأبيات أستاذنا العزيز علينا أبي ياسر سوف يستشعرُ ذلك الذوبان الطبيعي في ساحة الهم الاجتماعي والتطـلعات المستقبلية , لنقرأ مثلاً :
ذكريني مَـنْ لسـتُ عـنهـم بـسـالِ
كيف يسلـو من لا سـلتْـه اللـيـالي
وفي موضع :
فيذكو بها الوادي ويـفـترع المـدى
ويشدو بها حسّاً ويزكو بها فكـرا
وكان انبلاج الفجر من آل أحـمـد
ببيتٍ من الأكواخ قد ناول النسرا
شاعرية تنسجم مع الوزن والقافية , وتسبر معجم اللفظ والمعنى , وتتغنج في حرم البلاغة والمجاز.. شخصية شاملة على الصعيد الفردي والجماعي تبرز في ثقافة العطاء اللامحدود ويتمثل في قيادة موكب شعراء الشُعبة وأدبائها شعراً وقصةً ومسرحاً ..
ليقال بعد هذا أن أستاذنا الشاعر أبا ياسر شمسٌ أضاءتْ لنا دروب الأدب .
سطور عن حياة الشاعر
ولد الأستاذ عبد الله بن أحمد بن ناصر البريـــه في النجف الأشرف عام 1377هـ .
بدأ تعليمه – في الصغر- عندما أدخله والده عند الملاّ : أحمد بن حسن القهيد رحمه الله ليتعلم مبادئ القراءة والحروف , ثمّ عند الملّا : إبراهيم الحليمي حفظه الله ليُقرِأه العشر الأخير من القرآن الكريم .
ألْحقه والده في السابعة من عمره بالمدارس الحكومية عام 1385هـ بمدرسة الشعبة الابتدائية ثمّ مدرسة العلاء بن الحضرمي بالمبرز– متوسطةً وثانوية- , فيتخرج من جامعة الرياض ( الملك سعود حالياً ) معلماً للغة الغربية عام 1401هـ ليمارس مهنة التدريس بمدرسة الشعبة المتوسطة ولايزال بها حتى وقت كتابة هذه السطور .
البداية الشعرية
بدأ أستاذنا الشاعر أبو ياسر النظم في سنوات دراسته الجامعية, فقد تعطرتْ تلك البداية بأول قصيدة له في مدح الإمام الحسن عليه السلام عام 1399هـ :
يابـن الـرسول ومـهجة الـزهراء
ذكـراك هزّتْ مــقـول الشـعـــراء
ذكراك هزّتْ صادحات طيرهــا
تزهو بأحلى رقـصـةٍ وغــنــــاء
فلنتأملْ نماذج أدبيةً من نتاج الأستاذ الشاعر أبي ياسر عبدالله بن أحمد البريه حفظه الله ورعاه ..
من قصيدة له في الرسول الأعظم ( ص ) :
الهــوى بادٍ وأنـت المشتكــى
صابني منـك فـأحنى أضلعي
قسـماً آتـيك لـو شـط الـمزار
قسماً أمشي إلـيك في الـقـفار
فإذا ما صرت في تلك الديار
قمت في حقك أقـضي نـُسكا
وسقـى ذاك الفريـج مدمعـي
وفي الأناشيد :
يا أهالي الخير ياشيعة على خير الأنامْ
احـمـلوا عـنّي إلى وادي الغريـين سلامْ
وقبل ثلاثين سنة وفي مرحلة الشباب نظم أبيات غزلية منها ما يلي :
رددي ".........." أحلى أغنيـاتِ
واسكــبيهـا في فؤادي مـائـسـاتِ
عند صبحي عند أحلى أمسيـاتِ
عند مهدي عند نعشي واذكريني
إن تـغنّى بالـهـوى يومـاً كــذوب
يفتري الآهات من جوف الحبيب
فـاذكـري مني دموعـي والنحيب
واعولي " حبي"وداعاً واذكريني
//
http://i561.photobucket.com/albums/ss54/medaly99992/2-70.jpg
//
صورة تجمع الأستاذ/ أبو ياسر مع شاعر الأحسـاء الأستاذ / ناجي الحرز
كان للمدرسة جزء كبير من اهتمامه وتفاعله مع النشاطات وفي المناسبات الرياضية . قال في قصيدة يحيي فيهـا نجوم منتخب مدرسة الشعبة المتوسطة آنذاك . بمناسبة فوزهم عام 1402هـ :
أهلا بأصحاب المفاخـر
رمضان (الدابو) وباقر
وابن السلامة حين يعدو
كـالـصواعق خـلف جابر
رمضان الخليف و باقر الحسن و كاظم السلامة و جابر القطان ، من أبرز نجوم منتخب مدرسة الشعبة المتوسطة .
كتب الشعر الشعبي في وقت كانت الأعراس بالشعبة خصوصاً والأحساء عموماً مسرحاً للاحتفالات الإنشادية .
هذا مطلع من قصيدة عن قرية الشعبة قديماً :
وين المقطع والمناخر
وين جدران الشريعة
عـايفة حـبهــا الآخــر
ساكنة دروب القطيعة
(المقطع) معروف , (المناخر) مصب ماء وكذلك الشريعة .
ومن آخر إنتاجه الأدبي قصيدة يرثي فيهـا الحاج الخطيب فقيد المنبر الحسيني ، الملاّ عباس بن حسن الشويش ، حيث كان شاعرنـا في المدينة المنورة حين طرق سمعه نعي الفقيد الراحل فكتب هذه الأبيات :
خـبـر روّع الـزوار جـمـيـعـاً
لـيـلـة الأربـعـاء يـوم أذيـعـا
حملته النعاة من قريتنا الثكلى
فـوافـى طيـبـة وساء البقـيعــا
هــاهـنـا الأحزان تـولد دومـاً
كـل يوماً يعيش خطباً فضيعاً
وهنا البقـيـع كـعـبــة حـــزنٍ
وإليـه الأحزان تأتي سـريعـاً
سـكنتْ عبرة الـليــالي ولـمّـا
تسكن " الدار" رنّة ودموعـاً
(ملاّ عباس) ياربـيع قـلـوبٍ
لن نرى بعدك الزمان ربيعاً
//
ومن قصيدة لشاعرنـا في مولد الزهراء ( عليها السلام )
كَتَائِبُ جُنْدِ اللهِ فِي رَوْعَة المَسْرَى
جِـثيًا عَلَى أَعْـتَاب قـديك يَا زَهْرَا
وَخَيْلُ أَبِي الأَحْرَارِ فِيْ كُلِ سَاحَةٍ
تَـرُدُ الدُّجَى فِي عِيْد سَادَتِها فَجْرا
تَمُـرُّ عَلَى صِفّـين مِـنْ بَعْـد كَـرْبَلا
وَمِنْ فَدَكٍ سَارَتْ إِلَى حَيْثُ بَا خَمْرَا
وُصُـوْلاً إِلَى وَادٍ بِـقِـيْـعٍ مُـغَـرْقــَـدٍ
بـِه رَفّـتْ الرَّايـَات ألْـوِيَةً خَضْرَا
تُعَـفِـرُ مِـنْ أَبـِي الضــَيْـم عِـزهـَـــا
عَلَى تُرْبَة ضَمّتْ ضَرِيحك يَا غُرَا
فَـيَذْكُو بِهَـا الْوَادِي وَيْفـتَرِعُ الْـمـَدَى
وَيـَشْدُو بِهَا حِسًـا وَيَزْكُـو بِهَـا فِكْرَا
هِيَ الذّوْقُ وَالْإِحْسَـاسُ وَالْعِلْمُ والتُّقَى
رَبِـيْبَةُ بَيـْتُ الْـوَحْيُ مَا شِئْتُهـا بـَحْـرَا
هِـيَ الْبِضْعَـة الزّهْـرَاء بِنْتُ مُـحَـمــّد
مُـدَلَلَـة الْـمُخْتـَار خَـيـرُ الْـوَرَى طُـرّا
هِيَ الكَوْثَر الصّافِي مِنَ الرّجْسُ وَالأَذَى
وَحَـسْـبُك باِلْـقُـرآن فِيْ وَصْـفِـهـا خُبْرَا
تَـعَـهّـدَهـَا الـمُخْـتَار غَـرْسًـا بَهِـيْجَة
يَـمُـدُّ لَـهَـا زَنْـدًا وَيَشــْبـعِـهـا ثَـغْــرَا
وَتَخْطرُ كَالْأَطْيَاف مِن فَوْقِ حُضْنِهِ
إِلَـى أُمِـهَـا الـغَـرّاء تَـلْثـمُـهَـا نَحْـرَا
سِنِـينٌ لَهَـا مـَرّتْ وَرَاحَتْ تَصُوْغها
أَنَامِـلُ كَـفُ الله مِـنْ عُـمْـرِهَا عَشَرَا
إلى أن يقول :
هَـنِيـئًـا بَنَـات الـدّيـْن يَـا كُـل لَــبْـوَةٍ
تَكُـونُ لِهَذَا الْعَصْر فَاطِمَةً صُغْرَى
أَقِيْـمِـي عَـلَى الـزّهْـرَاء قـَلـْبًا وَقَالـِبًا
فَـأَنـْتِ بِهَـا أَوْلـى وَأَنْـتِ بِهَـا أَحْـرَى
وَهُزِّي إِلَيْكِ الْجِذْع مِنَ غَرْسِ فَاطِم
وَقـَرِّي بِهَـا عَيْنًا وَتِيْهِي بِهَـا كُبْرَى
وَشُـدِي عَلَى كَفّـيـْكِ فـَضَـلَ عَبَاءَةٍ
كَمَا كَانَتْ الزّهْرَاء تَفَعَلُ وَالْحَوْرَا
وَرُدِي إِلى الإحْـسَـاء طَـبْـعَ وَلَائِـهِ
بدِنْيًا غَزَاهَا العُهْر فَامْتَلأتْ عُهْرَا
وَعُـودِي إِلـى أَصْـلٍ مَجِـيـدٍ مُـعَـرّقٍ
بِهِ عَبَقُ التّأرِيخ إِنْ ذَكَرُوا " هَجْرَا "
بِلَادٌ مِـنَ الخَيـْرَاتِ والـمـِنَـحُ الـتِيْ
حَبـَانَا بِهَا المَـنَّانُ لا تـَقْبـَلُ الـنُّكْـرَا
بِــلَادٌ بِـهَـا الأجْـدَاد فَــازَتْ بِـبَيـْعَـــةٍ
وَمَا نَكَصَتْ عَنْهَا كَمَنْ نَكَصُوْا غَدْرا
فَـعِيـْشِـيْ بِـعَـيـْنِ الـله وَارْعَـي حُـدُودهُ
وَفُوزِي بِأهلِ الحَق وَانْتَظري البُشْرَى
20 / 6 / 1415هـ
ومن قصيدة له في رثاء شهداء زيارة المدينة المنورة من أهالي قريتنا العزيزة في الحادث الأليم عام 1423هـ والذين كان من ضمنهم المرحوم والفنان التشكيلي الأستاذ الشهيد / ناصر بن حسين الفايز ( عليهم الرحمة ) جميعًا .
" يوم اللّظـى "
ذكّرِيني مَن لَسْتُ عَـنْهُم بِسَالِ
كَيفَ يَسْلُو مَنْ لَا سَلَتْهُ اللّياَلِي
واسْكُـبِي عَبْـَرة الـوَفَاء علَيهم
واعْذُرِيهِ مِـنْ زوْرة وَوَصـِالِ
هَجَرُوا النّـاسَ وَالدِّيَـارَ جَمِيْعً
وَرَضُوا بِالمَقَامِ تَحْتَ الرِّمَـالِ
لَيْسَ مِنْ طَبْعِهِـم جَـفَاءٌ وَلَـكِـنْ
عَـاقَهـُـمْ بِالـفَـلا شَدِيْـدُ العـقَــالِ
عَــاقَـلَـتْهُـم كَـفُ المَنُونِ بـــِوَادٍ
عَـاقِــلٌ لِلصُقُـور دُونَ الــرِّئالِ
***
حَرّ قَـلْبِي مَـنْ يَوْمهُــم كَانَ يَوْمٌ
لَمْ أَذُقْ طَعْمـَ مِثْلِـه فِـي اللّــيَالِيْ
جِئْتُ فِي الأَرْبَعِـيْنَ أُوْفِـيهِ شِعْرًا
يَقْصُرُ الشِّعر عَنْهُ مِن مِثْلِ حَالِي
سَوْفَ أُوفِيـهِ بـِالدّمُـوعِ غِـزَارًا
تَقْتَدِينِي فِيْ حَضْرَتِي واعْتِزَالِي
حَيثُ فِي الخَطْبِ مَافـقد وَحِيدًا
فَوْقَ عِشْرِينَ مِنْ حَبِيْبٍ وَغَالِي
حَمَلُوهُـم عَلَى النُّعُــوشِ خِفَافًا
ثُّـمَ سَـارُوا بِـهِـمْ بـلِا أَغْـسَــالِ
لَيْسَ إِلاّ أَشْلاء لَمْ يَبْـقَ عُضْـوٌ
لَـمْ يـُغَـسّل بِمَـاءِ عِـشْـقِ الآْل ِ
***
اصْطَفَاهُـم أَهَــلُ البــَقِـيْعِ نِثَارًا
لِـعَـرُوسٍ نِـثَــارُهَــا مِــنْ لَآْلِ
وَغَشَـاهُمْ مِــنْ الرّسُولِ نَجِيٌ
وَدَعَــاهُمْ لِــسُرْعَــة الامْتِثَالِ
فـَاشْــرَأبّتْ أَعَـنَاقـهُـمْ لِلْـمَنَـايَا
وَتَعَـاطوا كَــاسَاتُهـمْ باِحْتـِفَـالِ
***
لَمْ أَكُـنْ قَــبْلهُم رَأَيتُ الـرّزَايَا
تَنْحنِي عِنْدهَا رُؤُوسُ الْجِــبَالِ
وَيَصِيرُ الجَــــلِيد غَـير جَـلِــيدٍ
يَنْفُثُ الجَمْرَ وَاللّـهِيـب الصّالِ
يَا لِهْولِ المُصَابِ كَانَ مُصَابًا
هُـوَ أَدْنَــى مـِنْ وَاقِــعٍ لِخَــيَالِ
سَارَ بِـالأَرْضِ واسْتَبدّ سَرِيعًا
وَجـَرَى بِـالــدِمَـاءِ كَـالزِلْـزالِ
سَـوفَ يـَرْوِيـهِ وَالـدٌ لِـحَـفِـيـدٍ
وَسَــتَرْوِيـهِ الأجْـيَال لِلْأَجْيَـالِ
//
http://i561.photobucket.com/albums/ss54/medaly99992/1-92.jpg
//
صورة تجمع الأستاذ أبو ياسر مع كوكبة من الشعراء وشباب القرية
وهذا آخر ما سطره لنـا الأستاذ الشاعر أبو ياسر بقلمه قائلاً :
( على العموم فهذه أسطر أملاها عليّ الواجب من تقديري لإبني الأستاذ ( نجم ) ونزولاً عند رغبته في تسليط الضوء على جوانب من الحراك الثقافي والفكري لبلدته التي هو من أبرّ أبنائها بما يقوم به من خدمة لها في هذا المجال .
وإلا فإني لا أراني شاعراً ولا زلت على هذا اليقين ، ولكن أملي في الأجيال القادمة من أبنائنا وبناتنا من شباب هذه القرية ممن سيكون أقدر في التعبير عمّا يجيش في صدورهم من مشاعر وأحاسيس وما يكتنزون من رؤى وأفكار تليق بنا كمجتمع متحضر .. أنا على يقين من ذاك وكلي أمل ) .
أخوكم / عبد الله بن أحمد البريه (أبو ياسر)
أســألكم الدعــاء
نجم
//
ولد في "النجف الأشرف" وتربى في "هجر" فكان متألقًا
الشاعر الأستاذ عبدالله البريه أبو ياسر... شاعر الإنسانية داخل الظّـل
ليس الأمر صدفة أن يولد شاعرٌ هجري في النجف الأشرف - على ساكنه السلام – فيرتوي من دجلة والفرات ، ويتغذى من حليب " نهج البلاغة " ليكون " أصلب عودًا، وأقوى وقوداً، و أبطأ خموداً..."؛ فيجمع شاعرية طرفة ابن العبد وابن المقرب العيوني، إلى شاعرية عمّنا المتنبي الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل النّاس ، حتى آخر حرف من أبيات الجواهري ، وهذا ما اتصف به شاعرنا الأستاذ عبدالله بن أحمد البريه في كتاباته – وإن كانت لظروف الحياة جاءت متقـطعة أو دفعة دفعة - ولكنها امتازت بالخيال والصور الساحرة المشبعة بالجمال أحيانًا، والبلاغة والإيجاز في أحايين أخرى ، بعيدًا عن التقعيرة والدهاليز المظـلـمة .
ومن الطبيعي أن تنسجم النفس مع ترانيم الحياة وأهازيج الطبيعة, وهذا في تفـصيله ومجمله جميل , ولكنْ عندما تذوب أحاسيس الشاعر ومشاعر الفنان فيما ينحو , كأنْ يصبح ممزوجًا بالطبيعة مندمجًا ومجتمعه , تتقاذفه الهموم العامة والخاصةُ في دائرة ما وراء الواقع نحو حقيقة أسمى، عندها سنقف أمام قامةٍ شعرية فارهة مهذِبةٍ ومهذَبةٍ .. نعم نحن بصدد أستاذ الأدب والشعر في قريتنا الحبيبة, الأستاذ الشاعر أبوياسر عبدالله البريه حفظه الله تعالى .
وجد مساره كالنهر سلاسةً وحنكة , وكالبحر سعة وحبكة, لنراه بين ظفتَيْ ذلك النهر وشاطئَيْ ذلك البحر, جسر ثقافةٍ وتهذيب, وزورق محبة وتقريب, والقارئ لأبيات أستاذنا العزيز علينا أبي ياسر سوف يستشعرُ ذلك الذوبان الطبيعي في ساحة الهم الاجتماعي والتطـلعات المستقبلية , لنقرأ مثلاً :
ذكريني مَـنْ لسـتُ عـنهـم بـسـالِ
كيف يسلـو من لا سـلتْـه اللـيـالي
وفي موضع :
فيذكو بها الوادي ويـفـترع المـدى
ويشدو بها حسّاً ويزكو بها فكـرا
وكان انبلاج الفجر من آل أحـمـد
ببيتٍ من الأكواخ قد ناول النسرا
شاعرية تنسجم مع الوزن والقافية , وتسبر معجم اللفظ والمعنى , وتتغنج في حرم البلاغة والمجاز.. شخصية شاملة على الصعيد الفردي والجماعي تبرز في ثقافة العطاء اللامحدود ويتمثل في قيادة موكب شعراء الشُعبة وأدبائها شعراً وقصةً ومسرحاً ..
ليقال بعد هذا أن أستاذنا الشاعر أبا ياسر شمسٌ أضاءتْ لنا دروب الأدب .
سطور عن حياة الشاعر
ولد الأستاذ عبد الله بن أحمد بن ناصر البريـــه في النجف الأشرف عام 1377هـ .
بدأ تعليمه – في الصغر- عندما أدخله والده عند الملاّ : أحمد بن حسن القهيد رحمه الله ليتعلم مبادئ القراءة والحروف , ثمّ عند الملّا : إبراهيم الحليمي حفظه الله ليُقرِأه العشر الأخير من القرآن الكريم .
ألْحقه والده في السابعة من عمره بالمدارس الحكومية عام 1385هـ بمدرسة الشعبة الابتدائية ثمّ مدرسة العلاء بن الحضرمي بالمبرز– متوسطةً وثانوية- , فيتخرج من جامعة الرياض ( الملك سعود حالياً ) معلماً للغة الغربية عام 1401هـ ليمارس مهنة التدريس بمدرسة الشعبة المتوسطة ولايزال بها حتى وقت كتابة هذه السطور .
البداية الشعرية
بدأ أستاذنا الشاعر أبو ياسر النظم في سنوات دراسته الجامعية, فقد تعطرتْ تلك البداية بأول قصيدة له في مدح الإمام الحسن عليه السلام عام 1399هـ :
يابـن الـرسول ومـهجة الـزهراء
ذكـراك هزّتْ مــقـول الشـعـــراء
ذكراك هزّتْ صادحات طيرهــا
تزهو بأحلى رقـصـةٍ وغــنــــاء
فلنتأملْ نماذج أدبيةً من نتاج الأستاذ الشاعر أبي ياسر عبدالله بن أحمد البريه حفظه الله ورعاه ..
من قصيدة له في الرسول الأعظم ( ص ) :
الهــوى بادٍ وأنـت المشتكــى
صابني منـك فـأحنى أضلعي
قسـماً آتـيك لـو شـط الـمزار
قسماً أمشي إلـيك في الـقـفار
فإذا ما صرت في تلك الديار
قمت في حقك أقـضي نـُسكا
وسقـى ذاك الفريـج مدمعـي
وفي الأناشيد :
يا أهالي الخير ياشيعة على خير الأنامْ
احـمـلوا عـنّي إلى وادي الغريـين سلامْ
وقبل ثلاثين سنة وفي مرحلة الشباب نظم أبيات غزلية منها ما يلي :
رددي ".........." أحلى أغنيـاتِ
واسكــبيهـا في فؤادي مـائـسـاتِ
عند صبحي عند أحلى أمسيـاتِ
عند مهدي عند نعشي واذكريني
إن تـغنّى بالـهـوى يومـاً كــذوب
يفتري الآهات من جوف الحبيب
فـاذكـري مني دموعـي والنحيب
واعولي " حبي"وداعاً واذكريني
//
http://i561.photobucket.com/albums/ss54/medaly99992/2-70.jpg
//
صورة تجمع الأستاذ/ أبو ياسر مع شاعر الأحسـاء الأستاذ / ناجي الحرز
كان للمدرسة جزء كبير من اهتمامه وتفاعله مع النشاطات وفي المناسبات الرياضية . قال في قصيدة يحيي فيهـا نجوم منتخب مدرسة الشعبة المتوسطة آنذاك . بمناسبة فوزهم عام 1402هـ :
أهلا بأصحاب المفاخـر
رمضان (الدابو) وباقر
وابن السلامة حين يعدو
كـالـصواعق خـلف جابر
رمضان الخليف و باقر الحسن و كاظم السلامة و جابر القطان ، من أبرز نجوم منتخب مدرسة الشعبة المتوسطة .
كتب الشعر الشعبي في وقت كانت الأعراس بالشعبة خصوصاً والأحساء عموماً مسرحاً للاحتفالات الإنشادية .
هذا مطلع من قصيدة عن قرية الشعبة قديماً :
وين المقطع والمناخر
وين جدران الشريعة
عـايفة حـبهــا الآخــر
ساكنة دروب القطيعة
(المقطع) معروف , (المناخر) مصب ماء وكذلك الشريعة .
ومن آخر إنتاجه الأدبي قصيدة يرثي فيهـا الحاج الخطيب فقيد المنبر الحسيني ، الملاّ عباس بن حسن الشويش ، حيث كان شاعرنـا في المدينة المنورة حين طرق سمعه نعي الفقيد الراحل فكتب هذه الأبيات :
خـبـر روّع الـزوار جـمـيـعـاً
لـيـلـة الأربـعـاء يـوم أذيـعـا
حملته النعاة من قريتنا الثكلى
فـوافـى طيـبـة وساء البقـيعــا
هــاهـنـا الأحزان تـولد دومـاً
كـل يوماً يعيش خطباً فضيعاً
وهنا البقـيـع كـعـبــة حـــزنٍ
وإليـه الأحزان تأتي سـريعـاً
سـكنتْ عبرة الـليــالي ولـمّـا
تسكن " الدار" رنّة ودموعـاً
(ملاّ عباس) ياربـيع قـلـوبٍ
لن نرى بعدك الزمان ربيعاً
//
ومن قصيدة لشاعرنـا في مولد الزهراء ( عليها السلام )
كَتَائِبُ جُنْدِ اللهِ فِي رَوْعَة المَسْرَى
جِـثيًا عَلَى أَعْـتَاب قـديك يَا زَهْرَا
وَخَيْلُ أَبِي الأَحْرَارِ فِيْ كُلِ سَاحَةٍ
تَـرُدُ الدُّجَى فِي عِيْد سَادَتِها فَجْرا
تَمُـرُّ عَلَى صِفّـين مِـنْ بَعْـد كَـرْبَلا
وَمِنْ فَدَكٍ سَارَتْ إِلَى حَيْثُ بَا خَمْرَا
وُصُـوْلاً إِلَى وَادٍ بِـقِـيْـعٍ مُـغَـرْقــَـدٍ
بـِه رَفّـتْ الرَّايـَات ألْـوِيَةً خَضْرَا
تُعَـفِـرُ مِـنْ أَبـِي الضــَيْـم عِـزهـَـــا
عَلَى تُرْبَة ضَمّتْ ضَرِيحك يَا غُرَا
فَـيَذْكُو بِهَـا الْوَادِي وَيْفـتَرِعُ الْـمـَدَى
وَيـَشْدُو بِهَا حِسًـا وَيَزْكُـو بِهَـا فِكْرَا
هِيَ الذّوْقُ وَالْإِحْسَـاسُ وَالْعِلْمُ والتُّقَى
رَبِـيْبَةُ بَيـْتُ الْـوَحْيُ مَا شِئْتُهـا بـَحْـرَا
هِـيَ الْبِضْعَـة الزّهْـرَاء بِنْتُ مُـحَـمــّد
مُـدَلَلَـة الْـمُخْتـَار خَـيـرُ الْـوَرَى طُـرّا
هِيَ الكَوْثَر الصّافِي مِنَ الرّجْسُ وَالأَذَى
وَحَـسْـبُك باِلْـقُـرآن فِيْ وَصْـفِـهـا خُبْرَا
تَـعَـهّـدَهـَا الـمُخْـتَار غَـرْسًـا بَهِـيْجَة
يَـمُـدُّ لَـهَـا زَنْـدًا وَيَشــْبـعِـهـا ثَـغْــرَا
وَتَخْطرُ كَالْأَطْيَاف مِن فَوْقِ حُضْنِهِ
إِلَـى أُمِـهَـا الـغَـرّاء تَـلْثـمُـهَـا نَحْـرَا
سِنِـينٌ لَهَـا مـَرّتْ وَرَاحَتْ تَصُوْغها
أَنَامِـلُ كَـفُ الله مِـنْ عُـمْـرِهَا عَشَرَا
إلى أن يقول :
هَـنِيـئًـا بَنَـات الـدّيـْن يَـا كُـل لَــبْـوَةٍ
تَكُـونُ لِهَذَا الْعَصْر فَاطِمَةً صُغْرَى
أَقِيْـمِـي عَـلَى الـزّهْـرَاء قـَلـْبًا وَقَالـِبًا
فَـأَنـْتِ بِهَـا أَوْلـى وَأَنْـتِ بِهَـا أَحْـرَى
وَهُزِّي إِلَيْكِ الْجِذْع مِنَ غَرْسِ فَاطِم
وَقـَرِّي بِهَـا عَيْنًا وَتِيْهِي بِهَـا كُبْرَى
وَشُـدِي عَلَى كَفّـيـْكِ فـَضَـلَ عَبَاءَةٍ
كَمَا كَانَتْ الزّهْرَاء تَفَعَلُ وَالْحَوْرَا
وَرُدِي إِلى الإحْـسَـاء طَـبْـعَ وَلَائِـهِ
بدِنْيًا غَزَاهَا العُهْر فَامْتَلأتْ عُهْرَا
وَعُـودِي إِلـى أَصْـلٍ مَجِـيـدٍ مُـعَـرّقٍ
بِهِ عَبَقُ التّأرِيخ إِنْ ذَكَرُوا " هَجْرَا "
بِلَادٌ مِـنَ الخَيـْرَاتِ والـمـِنَـحُ الـتِيْ
حَبـَانَا بِهَا المَـنَّانُ لا تـَقْبـَلُ الـنُّكْـرَا
بِــلَادٌ بِـهَـا الأجْـدَاد فَــازَتْ بِـبَيـْعَـــةٍ
وَمَا نَكَصَتْ عَنْهَا كَمَنْ نَكَصُوْا غَدْرا
فَـعِيـْشِـيْ بِـعَـيـْنِ الـله وَارْعَـي حُـدُودهُ
وَفُوزِي بِأهلِ الحَق وَانْتَظري البُشْرَى
20 / 6 / 1415هـ
ومن قصيدة له في رثاء شهداء زيارة المدينة المنورة من أهالي قريتنا العزيزة في الحادث الأليم عام 1423هـ والذين كان من ضمنهم المرحوم والفنان التشكيلي الأستاذ الشهيد / ناصر بن حسين الفايز ( عليهم الرحمة ) جميعًا .
" يوم اللّظـى "
ذكّرِيني مَن لَسْتُ عَـنْهُم بِسَالِ
كَيفَ يَسْلُو مَنْ لَا سَلَتْهُ اللّياَلِي
واسْكُـبِي عَبْـَرة الـوَفَاء علَيهم
واعْذُرِيهِ مِـنْ زوْرة وَوَصـِالِ
هَجَرُوا النّـاسَ وَالدِّيَـارَ جَمِيْعً
وَرَضُوا بِالمَقَامِ تَحْتَ الرِّمَـالِ
لَيْسَ مِنْ طَبْعِهِـم جَـفَاءٌ وَلَـكِـنْ
عَـاقَهـُـمْ بِالـفَـلا شَدِيْـدُ العـقَــالِ
عَــاقَـلَـتْهُـم كَـفُ المَنُونِ بـــِوَادٍ
عَـاقِــلٌ لِلصُقُـور دُونَ الــرِّئالِ
***
حَرّ قَـلْبِي مَـنْ يَوْمهُــم كَانَ يَوْمٌ
لَمْ أَذُقْ طَعْمـَ مِثْلِـه فِـي اللّــيَالِيْ
جِئْتُ فِي الأَرْبَعِـيْنَ أُوْفِـيهِ شِعْرًا
يَقْصُرُ الشِّعر عَنْهُ مِن مِثْلِ حَالِي
سَوْفَ أُوفِيـهِ بـِالدّمُـوعِ غِـزَارًا
تَقْتَدِينِي فِيْ حَضْرَتِي واعْتِزَالِي
حَيثُ فِي الخَطْبِ مَافـقد وَحِيدًا
فَوْقَ عِشْرِينَ مِنْ حَبِيْبٍ وَغَالِي
حَمَلُوهُـم عَلَى النُّعُــوشِ خِفَافًا
ثُّـمَ سَـارُوا بِـهِـمْ بـلِا أَغْـسَــالِ
لَيْسَ إِلاّ أَشْلاء لَمْ يَبْـقَ عُضْـوٌ
لَـمْ يـُغَـسّل بِمَـاءِ عِـشْـقِ الآْل ِ
***
اصْطَفَاهُـم أَهَــلُ البــَقِـيْعِ نِثَارًا
لِـعَـرُوسٍ نِـثَــارُهَــا مِــنْ لَآْلِ
وَغَشَـاهُمْ مِــنْ الرّسُولِ نَجِيٌ
وَدَعَــاهُمْ لِــسُرْعَــة الامْتِثَالِ
فـَاشْــرَأبّتْ أَعَـنَاقـهُـمْ لِلْـمَنَـايَا
وَتَعَـاطوا كَــاسَاتُهـمْ باِحْتـِفَـالِ
***
لَمْ أَكُـنْ قَــبْلهُم رَأَيتُ الـرّزَايَا
تَنْحنِي عِنْدهَا رُؤُوسُ الْجِــبَالِ
وَيَصِيرُ الجَــــلِيد غَـير جَـلِــيدٍ
يَنْفُثُ الجَمْرَ وَاللّـهِيـب الصّالِ
يَا لِهْولِ المُصَابِ كَانَ مُصَابًا
هُـوَ أَدْنَــى مـِنْ وَاقِــعٍ لِخَــيَالِ
سَارَ بِـالأَرْضِ واسْتَبدّ سَرِيعًا
وَجـَرَى بِـالــدِمَـاءِ كَـالزِلْـزالِ
سَـوفَ يـَرْوِيـهِ وَالـدٌ لِـحَـفِـيـدٍ
وَسَــتَرْوِيـهِ الأجْـيَال لِلْأَجْيَـالِ
//
http://i561.photobucket.com/albums/ss54/medaly99992/1-92.jpg
//
صورة تجمع الأستاذ أبو ياسر مع كوكبة من الشعراء وشباب القرية
وهذا آخر ما سطره لنـا الأستاذ الشاعر أبو ياسر بقلمه قائلاً :
( على العموم فهذه أسطر أملاها عليّ الواجب من تقديري لإبني الأستاذ ( نجم ) ونزولاً عند رغبته في تسليط الضوء على جوانب من الحراك الثقافي والفكري لبلدته التي هو من أبرّ أبنائها بما يقوم به من خدمة لها في هذا المجال .
وإلا فإني لا أراني شاعراً ولا زلت على هذا اليقين ، ولكن أملي في الأجيال القادمة من أبنائنا وبناتنا من شباب هذه القرية ممن سيكون أقدر في التعبير عمّا يجيش في صدورهم من مشاعر وأحاسيس وما يكتنزون من رؤى وأفكار تليق بنا كمجتمع متحضر .. أنا على يقين من ذاك وكلي أمل ) .
أخوكم / عبد الله بن أحمد البريه (أبو ياسر)
أســألكم الدعــاء
نجم